
تشكل القضية بين سام ألتمان وإيلون ماسك إحدى أهم النزاعات القانونية في صناعة التقنية بوجه عام، وفي تاريخ الذكاء الاصطناعي بوجهٍ خاص، إذ تتجاوز خلافًا شخصيًا بين الرجلين، لتطرح أسئلة عميقة حول مستقبل هذا القطاع، وطبيعة العلاقة بين المكاسب الشخصية والمصلحة العامة، كما يتوقف عليها مصير أكبر شركة تقنية ناشئة في الذكاء الاصطناعي.
أصل النزاع
تعود جذور النزاع إلى عام 2015، عندما شارك ماسك وألتمان في تأسيس OpenAI كمنظمة غير ربحية تهدف إلى تطوير الذكاء الاصطناعي لصالح البشرية، لكن العلاقة بين الطرفين تدهورت بعد مغادرة ماسك عام 2018، ثم تسارعت الخلافات مع إنشاء ذراع ربحي للشركة وجذب استثمارات ضخمة، خاصةً من مايكروسوفت، مما غيّر طبيعة الكيان جذريًا.
وانطلقت جلسات القضية رسميًا يوم 27 أبريل 2026 بمرحلة اختيار هيئة المحلفين، وسط اهتمام إعلامي واسع. وخلال هذه المرحلة، برزت توترات مبكرة، ووجّهت المحكمة تحذيرًا لماسك بسبب منشوراته عبر منصة إكس التي هاجم فيها ألتمان، مطالبةً بإبقاء النزاع داخل قاعة المحكمة، كم شددت على ضرورة التزام الطرفين بالصمت الإعلامي.
تاريخ واحد .. روايتان متناقضتان
سرعان ما تصاعدت الأحداث مع صعود ماسك إلى الشهادة لكونه أول شاهد رئيسي في القضية. وخلال شهادته، قدّم رواية مفصلة عن تأسيس OpenAI، مؤكدًا أنه شارك في إطلاقها كمشروع غير ربحي يهدف إلى خدمة البشرية، وأن ما حدث لاحقًا يُعد انحرافًا جذريًا عن هذه الرؤية. وذهب إلى حد وصف التحول الذي قادته إدارة ألتمان بأنه “يُعد من أكبر عمليات السطو في التاريخ” و “أقرب إلى سرقة مؤسسة خيرية”، وقد أحدثت تلك العبارات جدلًا واسعًا داخل قاعة المحكمة.
ولم تمر شهادة ماسك بهدوء، إذ واجهت اعتراضات متكررة من فريق الدفاع عن OpenAI، الذي عدّ أن تصريحاته تعكس وجهة نظر شخصية لا ترقى إلى دليل قانوني. كما حاول محامو الشركة تقويض مصداقيته عبر الإشارة إلى توقيت الدعوى، وأنه تحرك بعد النجاح التجاري الكبير للشركة، وربطوا ذلك بأنه منافس مباشر عبر شركته xAI.
وقال المحامي عن الشركة ويليام سافيت إن ماسك لم يكن مدفوعًا بالمبادئ، بل برغبة في السيطرة الكاملة على الشركة منذ بداياتها، مضيفًا أن الخلاف نشأ عندما رفض المؤسسون الآخرون منحه هذا النفوذ، وعدّ أن الدعوى الحالية تعكس استياءً متأخرًا بعد نجاح الشركة دون مشاركته.
وداخل الجلسات، برزت روايتان متناقضتان تمامًا حول تاريخ الشركة؛ إذ قدّم ماسك قدّم نفسه كمؤسس سعى إلى بناء كيان يخدم الصالح العام ويوازن نفوذ شركات التقنية الكبرى، في حين أكّدت OpenAI أن التحول إلى نموذج ربحي كان خطوة ضرورية لضمان التمويل والاستمرار في سباق الذكاء الاصطناعي، وأن ماسك كان على دراية بهذا الاتجاه في مراحل سابقة .
وكشفت القضية أيضًا تفاصيل داخلية حساسة، إذ عرض الطرفان رسائل ووثائق قديمة تعود إلى سنوات التأسيس، منها نقاشات بين المؤسسين حول مستقبل الشركة، وهو ما يعكس أن الخلاف لم يكن مفاجئًا بل تطور تدريجيًا على مدار سنوات.
ماذا سيحدث مستقبلًا؟
من المتوقع استمرار جلسات القضية لعدة أسابيع، وقد يدلي كبار القادة التنفيذيين بشهاداتهم، منهم ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت التي تُعد كُبرى الشركات المساهمة في OpenAI، وقد تحدد القضية مستقبل هيكل OpenAI وربما تمهد لاكتتابها العام المُنتظر.
وتشير التقديرات إلى أن الحكم النهائي في القضية لن يؤثر فقط في مستقبل OpenAI، بل على الإطار القانوني الذي يحكم شركات الذكاء الاصطناعي التي تبدأ كمبادرات غير ربحية ثم تتحول إلى كيانات تجارية لاحقًا.



