

أمضى قطاع الجوالات معظم العقود الأربعة الماضية في السعي إلى تحقيق هدف واحد: وضع جهاز متصل بالشبكة في يد كل إنسان. وقد أوشكت هذه المهمة على الاكتمال؛ إذ تصل خدمات الجوال الآن إلى حوالي 5.8 مليار مستهلك، أي ما يعادل 70 في المائة تقريباً من سكان العالم، كما كتب كونور جويس (*).
وفي الأسواق الغنية، أصبح بإمكان أي شخص يرغب في أن يكون متاحاً للاتصال أن يحقق ذلك بالفعل، وذلك وفقاً لتقرير «اقتصاد الجوال لعام 2026» الصادر عن الجمعية الدولية لشبكات الجوال (GSMA) . لقد أتمّ الجوال هذه المهمة؛ فبمجرد أن أصبح في متناول الجميع تقريباً، لم يعد التواصل مع الآخرين يمثل المشكلة الأساسية التي وُجد هذا القطاع لحلها. إذن، إذا كانت مهمة ربط البشر ببعضهم بعضاً قد أوشكت على الانتهاء، فما الخطوة التالية؟
العقد المقبل عصر تواصل الآلات
تأتي أوضح إجابة على هذا السؤال من «المؤتمر العالمي للجوالات» (MWC) ، وهو المعرض التجاري الأبرز في هذا المجال الذي تنظمه الجمعية الدولية لشبكات الجوال (GSMA)، وهي الهيئة التجارية الممثلة لمشغلي شبكات الجوال. ويشهد كل ربيع إقامة الحدث الرئيسي في مدينة برشلونة، بينما أقيمت نسخة مصغرة منه في الصين (MWC Shanghai) أواخر شهر يونيو (حزيران ) الماضي، حيث خُصصت قاعات العرض للمركبات ذاتية القيادة، وأساطيل الطائرات المسيرة، وشبكات الأقمار الاصطناعية، والروبوتات المصممة للعمل في المستودعات والمصانع الكيميائية.
لم يكن هذا المعرض مخصصاً للجوالات على الإطلاق؛ فبعد أن نجح القطاع في ربط الجميع تقريباً بالشبكة، أصبح العقد المقبل من عمر هذه الصناعة يتمحور حول تواصل الآلات فيما بينها.
آفاق جديدة
على مدى عقدين تقريباً كان التقدم في مجال الجوالات يعني الحصول على جهاز أفضل؛ إذ تحسنت الكاميرا، وزادت دقة الشاشة، وسرعة المعالج، وكانت كل دورة إصدار جديدة تضمن مبيعاتها بنفسها. أما في الآونة الأخيرة، فقد تباطأت وتيرة هذه التحسينات لتقتصر على تعديلات طفيفة وتدريجية؛ فالجوال الرائد في عام 2026 يمثل نسخة محسنة من طراز عام 2022، بدلاً من أن يكون ابتكاراً يعيد صياغة المفهوم من جديد.
لذا، وجه القطاع طموحاته نحو آفاق أخرى، وتحديداً نحو كل ما يمكن للشبكة نقله بمجرد تشبع نقاط الاتصال البشرية. فالروبوت الشبيه بالبشر، والسيارة ذاتية القيادة، والطائرة المسيّرة، ومحطة الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية، كلها تُعد في نهاية المطاف أجهزة اتصال؛ فهي تقضي فترات تشغيلها في تبادل البيانات فيما بينها، ومع الخوادم الكمبيوترية، ومع السحابة الإلكترونية، وتفشل في أداء مهامها بمجرد تباطؤ عملية تبادل البيانات هذه.
يتطلب تحليق سرب من الطائرات المسيّرة في تشكيل محدد أثناء التحليق، أن تصل بيانات الموقع والاتجاه الخاصة بكل وحدة إلى جاراتها بسرعة تسبق وقوع أي تصادم؛ وهي مهمة تتطلب تقنية «الجيل الخامس المتقدم» (5G Advanced) بدلاً من تقنيات الجيل الرابع أو «واي فاي».
توفير الذكاء الاصطناعي للاتصالات
وفي هذا السياق، تعاونت شركة «تشاينا تيليكوم» (China Telecom) – وهي واحدة من ثلاث شركات اتصالات مملوكة للدولة – مع شركة «أجي بوت» (AgiBot) المصنعة للروبوتات، مقرها شنغهاي، حيث أنتجت الروبوت الشبيه بالبشر رقم 10000 في شهر مارس (آذار) الماضي، وذلك لتأجير الآلات لشركات الطيران والخدمات اللوجستية وفق نموذج خدمة يعتمد على توفير الذكاء الاصطناعي عبر شبكة شركة الاتصالات نفسها. ومن جانبها، قامت شركة منافسة هي «تشاينا يونيكوم» (China Unicom) بنشر روبوتات في المصانع الكيميائية لإجراء عمليات فحص للمخاطر.
الصين تمتلك 40 % من شبكات الجيل الخامس للاتصالات
وتظهر عمليات نشر هذه الأدوات في الصين أولاً لأنها السوق الوحيدة التي تمتلك البنية التحتية الداعمة لها؛ إذ تستحوذ البلاد على أكثر من 40 في المائة من إجمالي اتصالات الجيل الخامس في العالم، وطرحت تقنية «الجيل الخامس المتقدم» تجارياً في أكثر من 330 مدينة، ومن المتوقع أن يتجاوز عدد اتصالات الجيل الخامس فيها 1.7 مليار اتصال بحلول عام 2030، وذلك وفقاً لتقرير «اقتصاد الجوال في الصين» الصادر عن الجمعية الدولية لشبكات الجوال (GSMA) بالتزامن مع المعرض. كما يتوقع التقرير ذاته أن تضيف خدمات الجوال 2.1 تريليون دولار إلى الاقتصاد الصيني بحلول عام 2030.
إن وجود شبكة بهذه الكثافة هو ما يتيح للشركات عدّ الاتصال ركيزة أساسية يمكن بناء أعمال تجارية قائمة على الروبوتات فوقها.
تحولات مشهودة في الولايات المتحدة
وتشهد الولايات المتحدة تحولاً مماثلاً، وإن كان مدفوعاً بشكل أكبر بتقنيات الأقمار الاصطناعية والسيارات ذاتية القيادة بدلاً من الروبوتات الشبيهة بالبشر. فقد بدأت خدمة «ستارلينك» (Starlink) التابعة لشركة «سبايس إكس» بالفعل في الوصول إلى الجوالات العادية في المناطق التي تفتقر إلى تغطية الشبكات التقليدية (المناطق الميتة) بفضل شراكتها مع «تي موبايل» في أبريل (نيسان) 2026، وافقت «أمازون» على الاستحواذ على شركة «غلوبال ستار» (Globalstar) – التي توفر الشبكة الداعمة لميزات الاتصال عبر الأقمار الاصطناعية في جوالات «أبل» – ودمجها ضمن كوكبة الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض التي كانت تُعرف سابقاً باسم «مشروع كويبر» (Project Kuiper). كما تدير شركة «وايمو» نحو 500 ألف رحلة مدفوعة الأجر لسيارات الأجرة الروبوتية (robotaxi) أسبوعياً في 10 مدن أميركية، حيث تعمل كل سيارة كأنها آلة متصلة بالشبكة تتخذ قرارات مرورية فورية. ورغم اختلاف العتاد التقني المستخدم عن نظيره في الصين، فإن التحول الجوهري الكامن تحته – أي انتقال الاتصالات من البشر إلى الآلات – يظل واحداً.
الفرصة الكامنة في البنية التحتية
الشركات الأفضل وضعاً لتحقيق الربح من هذا التحول هي تلك التي تمتلك بالفعل «الطبقة» التي تعمل عليها كل هذه التقنيات. لقد توقف نمو قطاع خدمات المستهلكين لدى شركات الاتصالات بمجرد أن أصبح لدى الجميع تقريباً جوال وباقة بيانات.
وأصبحت الآلات هي مصدر الطلب الجديد الذي يحل محل ذلك النمو. فالروبوت الذي يستأجره مشغل المصنع بنظام الدفع الشهري – والذي يتلقى تعليماته من الشبكة بدلاً من الاعتماد كلياً على التفكير الذاتي – يمثل عميلاً مدرّاً للدخل لم يكن متاحاً للمشغلين من قبل. وفي حين يزداد باستمرار عدد الآلات التي تحتاج إلى اتصال بالشبكة، يظل عدد المشترين الجدد للجوالات ثابتاً، وبغض النظر عن الشركة المصنعة للروبوت التي ستحقق النجاح، فإن الشبكة التي تدعم هذه العمليات هي التي ستحصل على العائد المادي.
وهنا تكمن الفرص المتاحة للآخرين أيضاً؛ إذ أصبحت الآلات نفسها أقل تكلفة وأكثر تشابهاً، مما يعني أن القيمة الحقيقية تنتقل إلى ما يمكن بناؤه بمجرد توفر اتصال سريع وموثوق في كل مكان: مثل خدمة توصيل من دون سائقين، أو فريق فحص لا يحتاج أفراده إلى دخول المبنى فعلياً، أو أسطول آلات ينسق حركته ذاتياً عبر المدينة. هذه نماذج أعمال لم يكن من الممكن وجودها في ظل شبكات الاتصالات التي كانت سائدة قبل جيل مضى، ومعظمها لا علاقة له بتصنيع جوال أفضل.
من المصانع إلى أيادي المستهلكين
لم يصل أي من هذا تقريباً إلى الحياة اليومية للشخص العادي بعد؛ فالروبوتات الشبيهة بالبشر تتجه نحو المصانع ومواقع الفحص لا غرف المعيشة، ونماذج الأعمال القائمة عليها لا تزال قيد التطوير والبلورة الفورية بدلاً من كونها نماذج مُثبتة النجاح على نطاق واسع. إذ إن قاعات المعارض المزدحمة تعكس النوايا والتوجهات أكثر مما تعكس طلباً فعلياً قائماً.
على مدار قرن كامل، كان مفهوم الاتصال يعني تواصل شخص مع آخر، وكان الجوال هو الأداة المثالية لتحقيق ذلك. أما العمل المقبل فيتمحور حول تواصل الآلات فيما بينها ومع الأنظمة التي تديرها، وهذا هو نوع حركة البيانات الذي تعمل الصناعة على تهيئة البنية التحتية له حالياً. لقد لبّى الجوال احتياجات الجانب البشري من الاتصال على أكمل وجه، لدرجة أن مستقبل الشبكات قد انتقل الآن لخدمة الآلات.
*مجلة «فاست كومباني».



